لم يرَ أحد غيري الرجل الذي يغرق*

“شعري كثيف، مُنبسط، مؤلم، كتلة نحاسية تصل حتى كليتي وغالباً ما يُقال إن شعري هو أجمل ما فيّ، وأنا أفهم أن ذلك يعني أنني لست جميلة. ذلك الشعر المعتبر طلبتُ أن يُقص في باريس وأنا في الثالثة والعشرين، بعد خمس سنوات على تركي لأمي. قلت: قصّ. فقصّ، قصّه كله بحركة واحدة، ولتنظيف ساحة العمل لامس المقص البارد جلد الرقبة. ولما سقط الشعر على الأرض سُئلت إن كنت أريده ليعملوا لي منه حزمة  قلت لا. بعد ذلك لم يعد يقال إنني كنت أمتلك شعراً جميلاً، أعني أنهم ما عادوا يقولون ذلك إلى هذا الحدّ كما كانوا يقولون لي قبل قصّه. فيما بعد أصبحوا يقولون: لديها نظرة جميلة، والابتسامة أيضا، لا بأس بها.”**



“لم يكن الأمر حزن، بل يأس”

لستُ ممن يؤخذون بتوجيهات الكتابة، وسرد موضوعاتها على اعتبارها خطوات رئيسية يتم الإلتزام بها ليُنتج فيها المرء في نهاية المطاف نصاً عظيماً. هذا مافكرت به في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عنوان “الكتابة” على أحد الكتب المستعملة في شارع النبي دانيال، وباعتباره العنوان الأكثر إغراءاً بالنسبة لي. لكن فكرتي السابقة عن ما قد يتناوله كتاب يتحدث عن الكتابة هي ما أقلقتني، لكنني اشتريته، بخمسة جُنيهات، صفقة ناجحة، ولا مجال للندم في حال لم يقارع توقعاتي. لحسن الحظ لم يكن كتاب مارجريت دوراس يحوم في ذلك الحقل، بل كانت كتابة متصلة بالوحدة الأصيلة للكاتب -كما قالت عن أحد كتبها-، بالنظر إلى حياة الكاتبة، فهي عانت من عائلة تفتقر إلى روح التآلف، كانت تشعر بالكره نحوهم، أمها وأخيها بشكل خاص، وهذا ما أنتج لها معاناتها الخاصة في فترة الطفولة والمراهقة. تحدثت مارجريت عن الرابطة التي أنشأتها مع الكتابة، والإنفصال التام عن محيطها. إنه بمثابة نص طويل، تمرر فيه أفكارها، ورؤيتها نحو كتبها وهي خارج الدائرة، وإحتفائها بالعزلة التي شهدت على إنهمارها الأدبي في أعتى الأوقات، وأكثرها إزدهاراً. لم تكن مارجريت تنتظر اللحظات التي تستفرد بها للكتابة، بل كانت تجرها جراً إلى عتمة وحدتها، لتضيء لها الليالي، فتهبها المعنى والرفقة التي لا تبور. موضوعات الكتاب تنوعت بين قصة قصيرة وبين مشاهدات شخصية والأخير الذي تعنون به الكتاب، رحلة قصيرة لأفكار نهائية في حياة كاتب، قبل وفاتها بثلاثة أعوام كان هذ الكتاب، ولا أعلم إن كان الأخير. لكنني ذهبت نحو أشهر كتبها الذي حاز على إحتفاء أكثر من أي عمل آخر ونالت على أثره جائزة رفيعة، رواية “العاشق” ولا أعرف لمَ اختارت مارجريت أن تصفها برواية وهي تبدو أشبه بسيرة ذاتية مصغرة تحكي عن معاناتها مع أمها وأخيها، وحبيبها الصيني، الذي كان ظهوره في الصورة، إنفراجة أمل، قد نست إمكانية تحققها في هذه الحياة، ولا أعلم إن كان عمل مارجريت وخبرتها في الإخراج السينمائي وكتابة السيناريوهات سبباً لجملها القصيرة، والفوضى التي تجد نفسك بها وأنت في منتصف الكتاب فلا تعلم إن فاتك شيء أو هذه إشارة مقصودة. الضمائر عائمة حولك، من يتحدث، ومن يحاول الظهور على السطح، ثم تشعر أنك لم تعد بحاجة إلى أن تفهم، فأنت مغمور بشعور لا تستطيع أن تضع يدك عليه، لكن تعرف أنه حقيقي. تقول مارجريت: “الكتابة، إنها تذهب إلى البعيد جداً.. إلى حد الصمت. وأحياناً تكون غير محتملة، فكل شيء يأخذ معنی فجأة في علاقته بالمكتوب إلى درجة الجنون. الذين نعرفهم لا نكاد نتعرف عليهم، والذين لا نعرفهم نعتقد أننا انتظرناهم. يرجع ذلك ببساطة، وبلا شك، إلى أنني قد تعبت من الحياة أكثر قليلاً من الآخرين. كانت حالة من الألم دون معاناة. لم أكن أبحث عن حماية نفسي من الآخرين، خصوصاً الذين يعرفوني. لم يكن الأمر حزن، بل يأس.” عبّرت عن خوفها من إحاطة الآخرين بها، لكنها كانت دوماً ماتجد طريقها للخروج من العزلة دون أن يخدش ذلك صلتها الوثيقة بالوحدة، وبوقتها الخاص الذي كان كل ما تملكه في مواجهة العالم. تقول: “كنت أشعر بالخوف في كل الأمسيات، وبالرغم من ذلك لم أبادر قط بدعوة آخر للعيش هنا. أحياناً أخرج في المساء وأقوم بجولات أحبها مع أصدقائي، نتحدث كثيراً، كنا نذهب إلى مقهى كبير كبلدة تقع على عدد كبير من الهكتارات وكان غاصاً بالناس حتى الثالثة صباحاً. مكان كنّا ضائعين فيه، وكان الجرسونات، كالمخبرين، يراقبون الفضاء الشاسع لوحدتنا”.

أما في كتابها “العاشق” كان هناك الكثير من الإرتباك والألم الذي توقفتُ عنده، مأخوذة بقدرتها الجلية على تحويل قصتها الخاصة إلى رواية أضافت لها ما أرادت أن يكون عليه، أو ما شعرَت به عميقاً في روحها، حين قررت في بداية الرواية أنها عن فتاة وصلت لسن الشيخوخة وهي في التاسعة عشر. كانت في مواجهة أُم لا يعنيها نجاح ابنتها بشيء، وأخ متجرد من كل المعاني الأخلاقية، وذات الأم لا تفعل شيء حيال ذلك. حين أخبرها مدير الثانوية أن ابنتها الأولى على فصلها في مادة اللغة الفرنسية، قالت: وماذا عن الرياضيات؟ قال لها: ليس بعد، لكنها ستفعل. تقول مارجريت لا يعنيها الأمر لأن أولادها الذكور لم يحصلوا على شيء مماثل بعد. رغم ذلك تجد مارغريت أنها تحب أمها بطريقة مؤذية، أوضحت ذلك وهي في غمرة شعورها بالألفة مع حبيبها، حين كتبت: “أقول له إنني سأنفصل عن أمي ذات يوم، وأنني سأكفّ عن حبها ذات يوم. أبكي، يضع رأسه عليّ ويبكي لرؤيتي أبكي. أقول له إن شقاء أمي كان يحتلّ مكان الحلم في طفولتي. وإن الحلم كان أمي وليس أشجار الميلاد أبداً، كان الحلم هي وحدها على الدوام، أكانت الأم المسلوخة حية من البؤس أم كانت الأم التي في جميع حالاتها تتكلم في الصحراء، أم كانت الأم التي تبحث عن الغذاء، أم التي تحكي من دون انقطاع ما جرى لها، هي ماري لغران دي روبي، تتكلم عن براءتها، وعن مدخراتها، وعن أملها.” يذكرني سعيها الحثيث لإلتقاط أي ذرة حب أو رضا من والدتها، بذات الخوف والحب الذي عانت من أجله إيفا بطلة فيلم سوناتا الخريف، -سبق وتحدثت عنه بتدوينة مستقلة- حين كانت أمها لا تراها، ولا تجد ماتفعله شيئاً باهراً يستحق الاهتمام، فهي الأم عازفة البيانو الشهيرة، التي جالت مسارح العالم بروعة أدائها، تجد عزف ابنتها مثيراً للإشمئزاز، ليأتي بعدها أجمل المشاهد في الفيلم بأكمله، تلك المصارحة الطويلة المليئة بالدموع والشجاعة التي شقت طريقها على مضض. هذا الحب المغلّف بالألم هو أكثر ما عاشته الطفلة مارجريت، ورأت في أي عابر في حياتها، حب يجب التشبّث به، قد يُنجيها من بيت العائلة، قبل أن تنفصل عن عائلتها بشكل نهائي، وتعيش حياتها وقد تجردت من ذكراهم المؤلمة، أو قد تكون عاشت حياتها وهي تحاول ذلك، قائلة: “ثم لم يبقَ منهم أحد ذات يوم. إنهم موتى الآن، الأم والأخوان، كذلك فات الأوان بالنسبة إلى الذكريات أيضاً. الآن ما عدتُ أحبهم. وما عدتُ أدري إذا ما كنت قد أحببتهم. لم يعد في رأسي عطر جلدها ولا في عيني لونُ عينيها. ما عدتُ أذكر الصوت، إلا ما كان أحياناً صوت اللطافة مع تعب المساء. والضحك، ما عدتُ أسمعه، لا الضحك ولا الصراخ. انتهى كل ذلك، ما عدتُ أذكر. من أجل ذلك أكتب عنها بكثير من السهولة اليوم، أكتب بكثير من الإسهاب، وكثير من الانجذاب؛ أصبحت كتابة عادية.”



*أحد عناوين كتبها
**العاشق/ مارجريت دوراس.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s