أيام غارقة بالفن.

زرتُ اليوم متحف أحمد شوقي الذي سمّاه بنفسه “كرمة ابن هاني” حباً بالشاعر العباسي الحسن بن هاني (أبو نُواس). الطريق إلى المتحف كان ساعة، قضيتها في الإستماع إلى قصائده المُغنّـاة، كانت فكرة رائعة أن يجمّع أحدهم الأغاني في ساوندكلاود تحت عنوان “من قصائد أحمد شوقي المغناة”. كنتُ الزائرة الوحيدة، استقبلني شاعر وناقد وباحث دكتواره ومدير صالون أمير الشعراء، عرفتُ ذلك فيما بعد، أخذني بجولة في الكرمة -أعجبتني هذه التسمية حقيقةً-، أثنى على معلوماتي البسيطة، قائلاً بأني أتمتع بذوق رفيع ولكلماتي رنّـة جميلة، هو شاعر في النهاية! كان لابد من المجاملة أن تكون على شرف الحروف والكلمات. الحديث كان قصيراً ومكثفّـاً، رأيت القصائد المكتوبة بخط يد أحمد شوقي، صور عائلته، ذوقه الأنيق في اختيار الأثاث، الخشب الذي غمر السقف، صورة لعبدالوهاب، شاباً وسيماً يجلس بجانب أمير الشعراء مستقيم الظهر، كمن يشعر بالمسؤولية اتجاه الكلمات التي ستُهدى له. الحديقة الصغيرة التي تحيط المنزل جميلة ومُورقة ولها أُنس الأماكن الدافئة.


أعتقد أني قمت باستغلال هذه الإجازة القصيرة على أكمل وجه، زرت أربعة متاحف كان آخرها كرمة ابن هاني، بدأتها بمتحف المجوهرات الملكية في الإسكندرية، كان قصراً يخطف الأنفاس، الفن المرسوم على الجدران والأسقف، يجعلك تقف مطولاً لتعي الزمن الذي رُسمت فيه، وكيف أن كل شيء هنا سابق لعصره، ثم كان “قصر الفنون” في دار الأوبرا، تُعرض فيه جميع أنواع الفنون، فن تشكيلي، نحت، خزف، تصوير فوتوغرافي، مشاريع صغيرة لها عدة أوجه وتحمل فنوناً مختلفة، أفلام قصيرة خُصصت لها حجرات صغيرة، كل هذا تحت سقف واحد وبدخول مجاني، ومن صنع على مايبدو أنهم طلاب في كليات فنية، هذا التقدير الهائل لما يقوم به فنانون مغمورون مُلهم حقاً، جعلني منتشية طوال مدة تنقلي بين القاعات، كل قاعة تحمل طابع وتوجّه فني مختلف عن القاعة التي تليها.

قصر المجوهرات الملكية | الإسكندرية:


قصـر الفنـون | القاهرة:


متحف الفن الإسلامي، كان عالماً آخر، وكأنك انتقلت بالزمن إلى حقبة مختلفة، أتقن صنّـاع هذا المكان في جعل روحه تلائم الفن الإسلامي بجميع عصوره، زيارة هذا المتحف لابد منها، زيارة واحدة لا تكفي، الجمال غمرني تماماً ولم أستطع تجاوزه حتى الآن.

متحف الفن الإسلامي| القاهرة:


تلبّستُ روح السائحة في هذه الإجازة، وهبني ذلك شعوراً مبهجاً، وأصيلاً، جعلني أعي جودة الأوقات التي أقضيها بخطوات أكثر خفة بعد شهور طويلة من الإمتحانات، الأجواء بدأت تتحسن بشكل ملحوظ والأمطار بدأت بالهطول، والناس يرمون ابتساماتهم بسخاء. بعد الزيارة القصيرة للكرمة، ذهبت لشرب القهوة والمشي في أرجاء الزمالك التي أحب، كنت أمشي وأستعيد ذكرياتي فيها، أعترف أن أجملها حين كنت وحدي، أتجول بلا هدى واستكشف أماكن أصبحت فيما بعد أماكني المفضلة، صغيرة وغير معروفة ويعتزّ أصحابها بها جداً.

بحثتُ بدافع الفضول عن الأفلام التي ستعرض في السينما اليوم، فوجئت أن الفيلم الذي كنت أخطط لمشاهدته منذ مدة، لازال يُعرض، حجزت التذكرة دون تردد. كان الفيلم السوداني “ستموت في العشرين” للمخرج أمجد أبو العلا، حاز على جائزة مهرجان البندقية السينمائي (أسد المستقبل) لأفضل عمل أول. حين دخلت قاعة السينما الضخمة، كنت الوحيدة، إنها الرابعة عصراً، لا أحد في القاعة، ولا حتى الشخص الذي يُنير لنا خطواتنا نحو مقاعدنا، وأعتقد لم يكن هناك داعٍ -لا أحد على القائمة سوى هذه الفتاة التي ستجلس في أي مقعد- جلست في مقعد عشوائي، في المنتصف تماماً، كنت مشدوهة وشعرتُ بسعادة غريبة تناغمت مع حماستي للفيلم، آه الفيلم. اختلطت مشاعري، ضحكت، بكيت، شعرت بالغضب، والخوف، خوف “مزمّـل” الذي كان يتصبب منه في كل خطوة يخطوها، وأعتقد هذا ما جعل الفيلم قريباً لقلب المشاهد، حقيقة أنه الفيلم الأول لمخرجه الشاب، مؤنسة، وضاربة بجذورها في المستقبل الذي ينتظره، عاب بعض النقّـاد نقاط سينمائية معينة تخصّ جوهر الفكرة، بعيداً عن التصوير الجمالي والصورة النهائية للمشاهد، وطريقة إخراجها، فهي فن مستقل بذاته، اتفق الجميع على تألقها. شخصياً أرضاني العمل حتى مع تخيل إضافة عمق آخر للفكرة الفلسفية التي نشأ عليها الفيلم من الأساس. 

خرجتُ من السينما، استقبلني الليل بنسماته الباردة وأنا أتجول في شوارع وسط البلد المزدحمة في كل الأوقات، كنت أمشي ومازالت مشاهد الفيلم عالقة في ذهني، ابتسم دون شعور للوجوه السودانية التي أصادفها، أو لكنة كالتي كانت في الفيلم تجعلني التفت سريعاً، أفكر بطعم النجاح الذي ربما لم يكن يتخيله مخرج الفيلم، حصوله على جائزة من أهم الجوائز السينمائية، وأنه سيصل لفتاة بسيطة من بلادٍ أخرى تسمرّت أمام شاشة السينما لتصفق له في نهاية الفيلم داخل قاعة فارغة، كانت نهاية مثالية لليوم، هذا الشعور بالإمتلاء جعل قلبي أخف، وفي حالة تأهب، لأي جمال عابر في طريقه.

١٠ نوفمبر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s