سيرة افتراضية للضوء والوحدة.

تنوّه الجارة أن شبابيك الغرف عندي مغلقة أغلب الوقت، تنصحني بفتحها كل صباح كي يغمرني هواء حقيقي، وأحيان أخرى تدعو لي بالتوفيق لأنها تلاحظ ضوء الغرفة، حتى في وقتٍ متأخر، لم تتسنى لي فرصة إخبارها أن النوم المفاجئ، هو ما يحول بيني وبين إطفاءه، لا الإجتهاد. حين أعود من سفرٍ قصير، تتصل لتطمئن إن كنت أنا من دخل الشقة وأضاء الأنوار وليس اللص، أحياناً كنت أعود مُتعبة فأتعمّد عدم إشعالها لأنعم بنومِ سريع قبل أي اتصال. أصبحتُ تدريجياً أشعر بمسؤولية أن يزعج هذا الضوء، الجهة المقابلة لسكان العمارة، فأنا لا أعرف في أي ليل يهيمون، قد يبوء الانعكاس بنفسه، ليُفسد ظلمة رعوها جيداً مستسلمين فيها لنومٍ هادئ. أُطفئ كل نور تصل يدي إليه، عدا الممر، أمشي في الشقة الفارغة، وتنساب عند قدماي المتباطئة، ظلالي، وأفكر أن هذا يشبه كائن القلق الذي يظهر في غياب الجُلبة، أجلس حينها لأرعى النصف الآخر من العتمة: قلبي، وملحقاته من الأسى الليلي، وتذكر العابرين بثقل أحمالهم. أرنو إلى الوحدة التي كنت أطارد طيفها في النهار، هاهي تستفتح معي ليل جديد، لا نهاية واضحة له، تقفز إلى ذهني ومضات من كتاب مارجريت دوراس الذي قضيت الأيام الماضية أقلّب فيه، أحاديث عن الوحدة والكتابة، التحملق حول المعنى، ومحاولة الوصول إلى جوهر الكلمات الصحيحة حين تُكرر نفسها في عقولنا ليالٍ طويلة، حتى نجدها مخلوق له روح، على ورق أصفر، ولا نعلم ونحن ندونّها: هل هي مراسم للخلود، أم طريقُ ممهدةُ للنسيان؟ 


**
كان هناك، أمامي، يتحدث، ولا أذكر في أي حقل أحاديث تُهنا، كنت أفكر حينها أن تلك العيون هي أجمل ما رأيت، لعله أدرك ذلك، من نظرتي الوادعة، أو حزني الذي غشى وجهي، وأردد: لكن قد تنساني هذه العينان يوماً، وتجوب الأرض، وترى، وتعشق، وتخوض مع الحياة معاركها الخاصة حتى لا تعد تذكر ما قبلها، غمرتني في تلك اللحظة ألفة لها شكل الشجن، وحزن سنوات بعيدة جلب نفسه على الطاولة التي كانت بيننا وتسرب إلى أطرافي، على هيئةٍ باردة وحزينة. لم أعي ذلك، حتى غرقت عيناي بالدمع الذي انسكب إلى الداخل، حاولتُ الهرب من فكرة أن تنساني عيناه العذبة، إلى فكرة أننا جميعاً سنُخلّد في أذهان الذين أحببناهم بملء عواطفنا، وسنظل نحيا في عمقٍ ندركه، لا تعنيه المسافات، ولا تمادي الحنين نحو وجهات لن نستطيع الوصول إليها إلا بقلوبنا. 


**
وأنا أمشي في طرقات وهبَت نفسها للأشجار، يعترضني صوت القطار، أشعر باهتزاز الأرض من تحتي، أنسى في كل مرة مصدر هذا الصوت، أرتعب لثوانٍ، حتى يسلبني الإدراك ذلك الرعب، انظر إلى الساعة، إنه قطار السابعة، كم كان ذلك دقيقاً، مع تنهيدة ارتياح. أصادف الرجل الغريب الذي لا يبرح جهته من التأمل، أراه دائماً، ولا أعرف إن كان يملك المحل الذي يجلس أمامه، أم يستريح فحسب، يُخيّل لي وكأن المكان لا يعنيه، كانت له سمة الراحل، أشعر أن كل من صادفه رأى له عزيزُ قد رحل، حتى أني كنت على وشك إخباره أنه يذكرني بأخي المرحوم، وأنا ليس لدي إخوة. رحتُ أخلق له قصته الخاصة في هذا العالم الذي اختار أن يشاهده، تحت ظلال سقف قماشي، وافترضت أنه لا ينزعج من هذا التشابه بينه وبين الموتى، لكن، قد يتملكه الفضول عن ماهية هذا الشبه، فيتسائل، هل لأن المرء يحب أن يتذكر أحبابه بصورتهم الأخيرة، هيئة واهنة، وملامح وديعة كالتي خُلق بها، حتى وإن عاشوا أشراراً في حياتهم العادية، أم أن هذا هو شكل اليأس الذي يغرق به منذ أعوام أمام القرطاسية التي تخدم الحي، ولا يعرف إن صاروا شيئاً واحداً، يقصدونه الناس لوداعته أم للمحل الذي لا يقدم خدمات وفيرة، ربما أعجبته فكرة التماهي، فصار واحداً منهم، أولئك الراحلين، بروحٍ هائمة نحو المجهول، وجسد يحرس المكان بابتساماتٍ عشوائية. أقف أمامه هذه المرة متخليةً عن قصصي، أُلقي التحية، ويردها بتمتمة. “هل أجد عندك طابعة يا عم؟”. يرد بحزمِ شخص حي: لا، لكن ستجدين ما أردتِ في المكتبة المجاورة. 

Sponsored Post Learn from the experts: Create a successful blog with our brand new courseThe WordPress.com Blog

WordPress.com is excited to announce our newest offering: a course just for beginning bloggers where you’ll learn everything you need to know about blogging from the most trusted experts in the industry. We have helped millions of blogs get up and running, we know what works, and we want you to to know everything we know. This course provides all the fundamental skills and inspiration you need to get your blog started, an interactive community forum, and content updated annually.

لم يرَ أحد غيري الرجل الذي يغرق*

“شعري كثيف، مُنبسط، مؤلم، كتلة نحاسية تصل حتى كليتي وغالباً ما يُقال إن شعري هو أجمل ما فيّ، وأنا أفهم أن ذلك يعني أنني لست جميلة. ذلك الشعر المعتبر طلبتُ أن يُقص في باريس وأنا في الثالثة والعشرين، بعد خمس سنوات على تركي لأمي. قلت: قصّ. فقصّ، قصّه كله بحركة واحدة، ولتنظيف ساحة العمل لامس المقص البارد جلد الرقبة. ولما سقط الشعر على الأرض سُئلت إن كنت أريده ليعملوا لي منه حزمة  قلت لا. بعد ذلك لم يعد يقال إنني كنت أمتلك شعراً جميلاً، أعني أنهم ما عادوا يقولون ذلك إلى هذا الحدّ كما كانوا يقولون لي قبل قصّه. فيما بعد أصبحوا يقولون: لديها نظرة جميلة، والابتسامة أيضا، لا بأس بها.”**



“لم يكن الأمر حزن، بل يأس”

لستُ ممن يؤخذون بتوجيهات الكتابة، وسرد موضوعاتها على اعتبارها خطوات رئيسية يتم الإلتزام بها ليُنتج فيها المرء في نهاية المطاف نصاً عظيماً. هذا مافكرت به في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عنوان “الكتابة” على أحد الكتب المستعملة في شارع النبي دانيال، وباعتباره العنوان الأكثر إغراءاً بالنسبة لي. لكن فكرتي السابقة عن ما قد يتناوله كتاب يتحدث عن الكتابة هي ما أقلقتني، لكنني اشتريته، بخمسة جُنيهات، صفقة ناجحة، ولا مجال للندم في حال لم يقارع توقعاتي. لحسن الحظ لم يكن كتاب مارجريت دوراس يحوم في ذلك الحقل، بل كانت كتابة متصلة بالوحدة الأصيلة للكاتب -كما قالت عن أحد كتبها-، بالنظر إلى حياة الكاتبة، فهي عانت من عائلة تفتقر إلى روح التآلف، كانت تشعر بالكره نحوهم، أمها وأخيها بشكل خاص، وهذا ما أنتج لها معاناتها الخاصة في فترة الطفولة والمراهقة. تحدثت مارجريت عن الرابطة التي أنشأتها مع الكتابة، والإنفصال التام عن محيطها. إنه بمثابة نص طويل، تمرر فيه أفكارها، ورؤيتها نحو كتبها وهي خارج الدائرة، وإحتفائها بالعزلة التي شهدت على إنهمارها الأدبي في أعتى الأوقات، وأكثرها إزدهاراً. لم تكن مارجريت تنتظر اللحظات التي تستفرد بها للكتابة، بل كانت تجرها جراً إلى عتمة وحدتها، لتضيء لها الليالي، فتهبها المعنى والرفقة التي لا تبور. موضوعات الكتاب تنوعت بين قصة قصيرة وبين مشاهدات شخصية والأخير الذي تعنون به الكتاب، رحلة قصيرة لأفكار نهائية في حياة كاتب، قبل وفاتها بثلاثة أعوام كان هذ الكتاب، ولا أعلم إن كان الأخير. لكنني ذهبت نحو أشهر كتبها الذي حاز على إحتفاء أكثر من أي عمل آخر ونالت على أثره جائزة رفيعة، رواية “العاشق” ولا أعرف لمَ اختارت مارجريت أن تصفها برواية وهي تبدو أشبه بسيرة ذاتية مصغرة تحكي عن معاناتها مع أمها وأخيها، وحبيبها الصيني، الذي كان ظهوره في الصورة، إنفراجة أمل، قد نست إمكانية تحققها في هذه الحياة، ولا أعلم إن كان عمل مارجريت وخبرتها في الإخراج السينمائي وكتابة السيناريوهات سبباً لجملها القصيرة، والفوضى التي تجد نفسك بها وأنت في منتصف الكتاب فلا تعلم إن فاتك شيء أو هذه إشارة مقصودة. الضمائر عائمة حولك، من يتحدث، ومن يحاول الظهور على السطح، ثم تشعر أنك لم تعد بحاجة إلى أن تفهم، فأنت مغمور بشعور لا تستطيع أن تضع يدك عليه، لكن تعرف أنه حقيقي. تقول مارجريت: “الكتابة، إنها تذهب إلى البعيد جداً.. إلى حد الصمت. وأحياناً تكون غير محتملة، فكل شيء يأخذ معنی فجأة في علاقته بالمكتوب إلى درجة الجنون. الذين نعرفهم لا نكاد نتعرف عليهم، والذين لا نعرفهم نعتقد أننا انتظرناهم. يرجع ذلك ببساطة، وبلا شك، إلى أنني قد تعبت من الحياة أكثر قليلاً من الآخرين. كانت حالة من الألم دون معاناة. لم أكن أبحث عن حماية نفسي من الآخرين، خصوصاً الذين يعرفوني. لم يكن الأمر حزن، بل يأس.” عبّرت عن خوفها من إحاطة الآخرين بها، لكنها كانت دوماً ماتجد طريقها للخروج من العزلة دون أن يخدش ذلك صلتها الوثيقة بالوحدة، وبوقتها الخاص الذي كان كل ما تملكه في مواجهة العالم. تقول: “كنت أشعر بالخوف في كل الأمسيات، وبالرغم من ذلك لم أبادر قط بدعوة آخر للعيش هنا. أحياناً أخرج في المساء وأقوم بجولات أحبها مع أصدقائي، نتحدث كثيراً، كنا نذهب إلى مقهى كبير كبلدة تقع على عدد كبير من الهكتارات وكان غاصاً بالناس حتى الثالثة صباحاً. مكان كنّا ضائعين فيه، وكان الجرسونات، كالمخبرين، يراقبون الفضاء الشاسع لوحدتنا”.

أما في كتابها “العاشق” كان هناك الكثير من الإرتباك والألم الذي توقفتُ عنده، مأخوذة بقدرتها الجلية على تحويل قصتها الخاصة إلى رواية أضافت لها ما أرادت أن يكون عليه، أو ما شعرَت به عميقاً في روحها، حين قررت في بداية الرواية أنها عن فتاة وصلت لسن الشيخوخة وهي في التاسعة عشر. كانت في مواجهة أُم لا يعنيها نجاح ابنتها بشيء، وأخ متجرد من كل المعاني الأخلاقية، وذات الأم لا تفعل شيء حيال ذلك. حين أخبرها مدير الثانوية أن ابنتها الأولى على فصلها في مادة اللغة الفرنسية، قالت: وماذا عن الرياضيات؟ قال لها: ليس بعد، لكنها ستفعل. تقول مارجريت لا يعنيها الأمر لأن أولادها الذكور لم يحصلوا على شيء مماثل بعد. رغم ذلك تجد مارغريت أنها تحب أمها بطريقة مؤذية، أوضحت ذلك وهي في غمرة شعورها بالألفة مع حبيبها، حين كتبت: “أقول له إنني سأنفصل عن أمي ذات يوم، وأنني سأكفّ عن حبها ذات يوم. أبكي، يضع رأسه عليّ ويبكي لرؤيتي أبكي. أقول له إن شقاء أمي كان يحتلّ مكان الحلم في طفولتي. وإن الحلم كان أمي وليس أشجار الميلاد أبداً، كان الحلم هي وحدها على الدوام، أكانت الأم المسلوخة حية من البؤس أم كانت الأم التي في جميع حالاتها تتكلم في الصحراء، أم كانت الأم التي تبحث عن الغذاء، أم التي تحكي من دون انقطاع ما جرى لها، هي ماري لغران دي روبي، تتكلم عن براءتها، وعن مدخراتها، وعن أملها.” يذكرني سعيها الحثيث لإلتقاط أي ذرة حب أو رضا من والدتها، بذات الخوف والحب الذي عانت من أجله إيفا بطلة فيلم سوناتا الخريف، -سبق وتحدثت عنه بتدوينة مستقلة- حين كانت أمها لا تراها، ولا تجد ماتفعله شيئاً باهراً يستحق الاهتمام، فهي الأم عازفة البيانو الشهيرة، التي جالت مسارح العالم بروعة أدائها، تجد عزف ابنتها مثيراً للإشمئزاز، ليأتي بعدها أجمل المشاهد في الفيلم بأكمله، تلك المصارحة الطويلة المليئة بالدموع والشجاعة التي شقت طريقها على مضض. هذا الحب المغلّف بالألم هو أكثر ما عاشته الطفلة مارجريت، ورأت في أي عابر في حياتها، حب يجب التشبّث به، قد يُنجيها من بيت العائلة، قبل أن تنفصل عن عائلتها بشكل نهائي، وتعيش حياتها وقد تجردت من ذكراهم المؤلمة، أو قد تكون عاشت حياتها وهي تحاول ذلك، قائلة: “ثم لم يبقَ منهم أحد ذات يوم. إنهم موتى الآن، الأم والأخوان، كذلك فات الأوان بالنسبة إلى الذكريات أيضاً. الآن ما عدتُ أحبهم. وما عدتُ أدري إذا ما كنت قد أحببتهم. لم يعد في رأسي عطر جلدها ولا في عيني لونُ عينيها. ما عدتُ أذكر الصوت، إلا ما كان أحياناً صوت اللطافة مع تعب المساء. والضحك، ما عدتُ أسمعه، لا الضحك ولا الصراخ. انتهى كل ذلك، ما عدتُ أذكر. من أجل ذلك أكتب عنها بكثير من السهولة اليوم، أكتب بكثير من الإسهاب، وكثير من الانجذاب؛ أصبحت كتابة عادية.”



*أحد عناوين كتبها
**العاشق/ مارجريت دوراس.

أيام غارقة بالفن.

زرتُ اليوم متحف أحمد شوقي الذي سمّاه بنفسه “كرمة ابن هاني” حباً بالشاعر العباسي الحسن بن هاني (أبو نُواس). الطريق إلى المتحف كان ساعة، قضيتها في الإستماع إلى قصائده المُغنّـاة، كانت فكرة رائعة أن يجمّع أحدهم الأغاني في ساوندكلاود تحت عنوان “من قصائد أحمد شوقي المغناة”. كنتُ الزائرة الوحيدة، استقبلني شاعر وناقد وباحث دكتواره ومدير صالون أمير الشعراء، عرفتُ ذلك فيما بعد، أخذني بجولة في الكرمة -أعجبتني هذه التسمية حقيقةً-، أثنى على معلوماتي البسيطة، قائلاً بأني أتمتع بذوق رفيع ولكلماتي رنّـة جميلة، هو شاعر في النهاية! كان لابد من المجاملة أن تكون على شرف الحروف والكلمات. الحديث كان قصيراً ومكثفّـاً، رأيت القصائد المكتوبة بخط يد أحمد شوقي، صور عائلته، ذوقه الأنيق في اختيار الأثاث، الخشب الذي غمر السقف، صورة لعبدالوهاب، شاباً وسيماً يجلس بجانب أمير الشعراء مستقيم الظهر، كمن يشعر بالمسؤولية اتجاه الكلمات التي ستُهدى له. الحديقة الصغيرة التي تحيط المنزل جميلة ومُورقة ولها أُنس الأماكن الدافئة.


أعتقد أني قمت باستغلال هذه الإجازة القصيرة على أكمل وجه، زرت أربعة متاحف كان آخرها كرمة ابن هاني، بدأتها بمتحف المجوهرات الملكية في الإسكندرية، كان قصراً يخطف الأنفاس، الفن المرسوم على الجدران والأسقف، يجعلك تقف مطولاً لتعي الزمن الذي رُسمت فيه، وكيف أن كل شيء هنا سابق لعصره، ثم كان “قصر الفنون” في دار الأوبرا، تُعرض فيه جميع أنواع الفنون، فن تشكيلي، نحت، خزف، تصوير فوتوغرافي، مشاريع صغيرة لها عدة أوجه وتحمل فنوناً مختلفة، أفلام قصيرة خُصصت لها حجرات صغيرة، كل هذا تحت سقف واحد وبدخول مجاني، ومن صنع على مايبدو أنهم طلاب في كليات فنية، هذا التقدير الهائل لما يقوم به فنانون مغمورون مُلهم حقاً، جعلني منتشية طوال مدة تنقلي بين القاعات، كل قاعة تحمل طابع وتوجّه فني مختلف عن القاعة التي تليها.

قصر المجوهرات الملكية | الإسكندرية:


قصـر الفنـون | القاهرة:


متحف الفن الإسلامي، كان عالماً آخر، وكأنك انتقلت بالزمن إلى حقبة مختلفة، أتقن صنّـاع هذا المكان في جعل روحه تلائم الفن الإسلامي بجميع عصوره، زيارة هذا المتحف لابد منها، زيارة واحدة لا تكفي، الجمال غمرني تماماً ولم أستطع تجاوزه حتى الآن.

متحف الفن الإسلامي| القاهرة:


تلبّستُ روح السائحة في هذه الإجازة، وهبني ذلك شعوراً مبهجاً، وأصيلاً، جعلني أعي جودة الأوقات التي أقضيها بخطوات أكثر خفة بعد شهور طويلة من الإمتحانات، الأجواء بدأت تتحسن بشكل ملحوظ والأمطار بدأت بالهطول، والناس يرمون ابتساماتهم بسخاء. بعد الزيارة القصيرة للكرمة، ذهبت لشرب القهوة والمشي في أرجاء الزمالك التي أحب، كنت أمشي وأستعيد ذكرياتي فيها، أعترف أن أجملها حين كنت وحدي، أتجول بلا هدى واستكشف أماكن أصبحت فيما بعد أماكني المفضلة، صغيرة وغير معروفة ويعتزّ أصحابها بها جداً.

بحثتُ بدافع الفضول عن الأفلام التي ستعرض في السينما اليوم، فوجئت أن الفيلم الذي كنت أخطط لمشاهدته منذ مدة، لازال يُعرض، حجزت التذكرة دون تردد. كان الفيلم السوداني “ستموت في العشرين” للمخرج أمجد أبو العلا، حاز على جائزة مهرجان البندقية السينمائي (أسد المستقبل) لأفضل عمل أول. حين دخلت قاعة السينما الضخمة، كنت الوحيدة، إنها الرابعة عصراً، لا أحد في القاعة، ولا حتى الشخص الذي يُنير لنا خطواتنا نحو مقاعدنا، وأعتقد لم يكن هناك داعٍ -لا أحد على القائمة سوى هذه الفتاة التي ستجلس في أي مقعد- جلست في مقعد عشوائي، في المنتصف تماماً، كنت مشدوهة وشعرتُ بسعادة غريبة تناغمت مع حماستي للفيلم، آه الفيلم. اختلطت مشاعري، ضحكت، بكيت، شعرت بالغضب، والخوف، خوف “مزمّـل” الذي كان يتصبب منه في كل خطوة يخطوها، وأعتقد هذا ما جعل الفيلم قريباً لقلب المشاهد، حقيقة أنه الفيلم الأول لمخرجه الشاب، مؤنسة، وضاربة بجذورها في المستقبل الذي ينتظره، عاب بعض النقّـاد نقاط سينمائية معينة تخصّ جوهر الفكرة، بعيداً عن التصوير الجمالي والصورة النهائية للمشاهد، وطريقة إخراجها، فهي فن مستقل بذاته، اتفق الجميع على تألقها. شخصياً أرضاني العمل حتى مع تخيل إضافة عمق آخر للفكرة الفلسفية التي نشأ عليها الفيلم من الأساس. 

خرجتُ من السينما، استقبلني الليل بنسماته الباردة وأنا أتجول في شوارع وسط البلد المزدحمة في كل الأوقات، كنت أمشي ومازالت مشاهد الفيلم عالقة في ذهني، ابتسم دون شعور للوجوه السودانية التي أصادفها، أو لكنة كالتي كانت في الفيلم تجعلني التفت سريعاً، أفكر بطعم النجاح الذي ربما لم يكن يتخيله مخرج الفيلم، حصوله على جائزة من أهم الجوائز السينمائية، وأنه سيصل لفتاة بسيطة من بلادٍ أخرى تسمرّت أمام شاشة السينما لتصفق له في نهاية الفيلم داخل قاعة فارغة، كانت نهاية مثالية لليوم، هذا الشعور بالإمتلاء جعل قلبي أخف، وفي حالة تأهب، لأي جمال عابر في طريقه.

١٠ نوفمبر

October 1st.

شارع جانبي، مطعم ومقاهي، يليه دار الأوبرا ومسرح درويش، تجد الناس يخرجون متأنقين من هناك بحثاً عن الطعام، أو مكان يليق بما يرتدونه، يصلح أن يكون نهاية للسهرة التي بدأت مع الفرق الغنائية، نجلس في المقهى المطل على جانب المسرح، يفصلنا عنهم أسوار واسعة، نستطيع منها رؤية الفناء الداخلي، تدخل جموع متأهبة، وتخرج جموع أخرى، أكثر انفتاحاً، كأنهم بقايا لنغمٍ هارب من المسرح، منطلقين في كل مكان، يلتقطون الصور أمام تمثال سيد درويش المثبّت في المنتصف، نتحدث لساعات، هذا النسيم يغدرُ بنا وينسينا الوقت، نندفع نحو بوابة المسرح، لنرى قائمة حفلات أكتوبر، ونُحصي التواريخ التي لن نستطيع الحضور فيها ثم نلعن قلة الحيلة وسط هذه الرحابة، نكمل المسير، ونتحدث عن أكثر أفكارنا سذاجة، نصادف شارع النبي دانيال، وهذا يعني الكثير من كشكات الكتب، المترامية على جانب الشارع الذي لا تعبره السيارات، كم تبدو فكرة مريحة، المشي بين كل هذه الكتب بخطوات هادئة، وبنظرات بطيئة تقتنص عناوين الكتب من بعيد، تقودنا أقدامنا نحو المدرج الروماني القديم، نجلس عند الحافة، أتكئ بظهري على أسواره، أشعر ببرودة الحديد تخترق ظهري، ابتسم لهذا الشعور الذي أعجز عن تفسيره، إنها برودة لكنها تشعرني بالأمان ودفء اللحظة، يطرأ في ذهني حوار من فيلم أحلى الأوقات، حين قال هشام لسلمى وهم يقفون أمام النيل يغمرهم الليل: “عارفة يا سلمى الواحد بيحس بحلاوة الفترة اللي هو فيها بعد ما تخلص، يعني انتي مثلاً كمان عشرين سنة هتوحشك الوقفة اللي إحنا واقفينها دلوقتي دي”. يقبضني قلبي وأنا أُدرك أني أشتاق لهذه اللحظة حتى وأنا مُدركة لها، لا أريد لأيام كهذه أن تغيب، وأن أسعى دوماً لأختار حدوثها، كلما سنحت لي الأيام والرفقة.

إليه في حزنه.

إنه شخص يحمل ثقل العالم على كتفيه، إحداهما مخلوعة، وهي الأكثر جسارة في نظري. سيحدّثك بابتسامة أو ضحكة على وشك الإنفلات دوماً، تجده يستقبلك بإندهاش له شكل الألفة، كأنك لم تغب عنه يوماً، تحضر في ذهنك الأيام التي كانت بينكما، لا يمكن لها أن تتلاشى لأن أحدهم توقف عن الـظهور، لوجهه المُتعب حيزاً بين أضلعك، تقول.. لا يمكن لهذه الروح أن تحلّق بعيداً، لا تبنت للأشجار المعمرّة أجنحة، تسكنه بقايا لروح آلهة قديمة، وُجدت في هذا التوقيت لتراعنا حين تكون في أرق حالاتها، فمكانها ليس بعيداً عنك، وليس قريباً منك، لكنك تشعر دوماً أن هنالك رباط بينكما، لا يذويه مرور الأيام. 
كنت هناك، على الطرف الآخر من السماعة، جاء صوته بعد محاولات وصول مني، حزني الجانبي الذي شعر به وأدركه، لكنه آثر عدم الإعتراف به، ربما تحاشياً لفكرة أني قد أحزن من أجله، أو ربما لم يكن لديه وقت فحسب، هروبه المتكرر يعقّد الأمر، إعتيادي بشكل جزئي على هذه الصفة المتأصلة فيه، جعل الأمر أقل حدة، أسأل أصدقائنا المشتركين إن كان لايزال على قيد الحياة ويجيب على إتصالاتهم، ظننت لوهلة أنه قرر ترك كل شيء والرحيل بعيداً، كما كان يخطط في الماضي. أخشى عليه من الحزن الذي لا قرار له، رغم الصلابة التي يبدو عليها..يصلني جزعه، أنا البعيدة، والصديقة القديمة، التي ربما لم يفكر بها إلا قليلاً، ثم يدفن عقله في العمل، لست خائفة من فكرة أن أُنسى، سأحب مكاني في النسيان، لو كان بخير. تصلني وحشته رغم حديثه دون إبداء اهتمام، يحدثني متحاشياً الحوارات التي قد تخنقها العاطفة بيننا. تصلني فرقعة روحه المطحونة بين الاستمرار في فعل ما يفعله دون توقف، وبين النظر قليلاً نحو ما آلت إليه الأمور، لكنه يمضي في نهاية الأمر. يصلني هذا الحزن، وذلك الشعور المختلط، وتجاهله لوجودي الذي لطالما أعتقدت أنه يؤنسه بطريقةٍ ما. بكيت اليوم وأنا على الطرف الآخر من الهاتف، لأني شعرت بأني أُودّعه، وأنه تآلف مع فكرة الوحدة، كانت فكرة حزينة، أنا غاضبة منه، من أجله، لأنه عاد وانطوى فيه عالمه الذي أخشاه، لكن لا يوجد وقت لهذا، أتمنى أن تعامله الأيام بقلب أم، وأن يصمد، وأن يجعلنا حوله، وأن لا يتوقف عن المحاولة.

كانت ليلة صعبة، جمعتُ فيها كل من مرّ في حياتي، وتذكرت أوجاعهم التي لطالما كانت جزء مني، أتذكر مخاوفهم ويستعرّني الوجد، لا أنسى أحد، ويقلقني مرور الأيام حين لا تعطف عليهم، أو تقسو، ولا يجدون أحد لمناجاته، أو أن تجفّ الكلمات التي كانت يجب أن تُقال لهم ولا يعثروا عليها، إلا بعد فوات الأوان، أريد أن يحبهم الله، ويجعل من قلوبهم مؤنساً، أريد يا الله أن تلهمني لقول الكلمات في وقتها الصحيح، وألا أتعثّر بضغينة، أو أن يُنسيني اليأس ما أنا قادرة على فعله مهما كان بسيطاً لا يلوي على شيء.

إسكندريّـة تاني.


⁃ استديو السفير، بإدارة حسني فيّاض.
أتأمل الشوارع من نافذة السيارة، وكعادتي تدور عيني على اللوحات أكثر من البشر، توقفت عند “فيّــاض” ولا أعلم إن كان هذا بسبب مشاعري، لكنني غرقت أكثر من اللازم داخل هذا الاسم، وفكرت أني أحب المبالغة، وأني لهذا أحب الشِعر، هذا اسم شاعريٌ جداً، يصلح كابن، ابنُ لي ربما، سيكون غريباً، وله مساره الخاص دوماً، كي يكفي انهماره. فيّــاض، هذا قلبي اليوم.

-إنها العودة، للمكان الذي تسامح مع قسوتنا، وأخرج فينا حب الحياة الذي كنّـا نعرفه من حكايات الناس، حتى وجدنا ألفتنا، وأسكن فينا غضبنا القديم على الأشياء التي لم نختارها.
فرحة صاحب البقالة العجوز حين رآني، كان قلقاً من غيابي المفاجئ، اعتاد مروري كل يوم عائدة من الكلية، وإلقاء التحية، يقول كنت أريد سؤال بوابيّ العمارات المجاورة عنكِ لأني لا أعلم في أي عمارة تقطنين، ثم أردف: لو كنتي ستذهبين في إجازة طويلة مرة أخرى، أرجو منك إخطاري، وجهكِ سمح. ضحكت من جملته الأخيرة، شعرت أن لي وجه الابنة لكل آباء العالم، هناك دوماً من يشعر بمسؤولية نحوي، كان لذلك أثر الطمأنينة على خطواتي حين غادرت المكان، وكأن عناقاً ضرب بجذوره في أعماقي.

-أغسلُ يدوياً أربطة حذائي الأبيض، الانهماك في تلك اللحظات يبدو نادراً ونقياً لا يشوبه شيء سوى البقع الموجودة على الأربطة، ومحاولة التخلص منها بكل أناة، دخلَت في تلك اللحظة أصوات الجيران المسائية، وكأنهم يستعدون لمناسبةٍ ما، كل يوم، دون أن يظهر أي أثر لمناسبة، كنت أفكر في هذه الرتابة التي أحب، الانهماك المسائي في غسل كل ماتقع عيني عليه، والأصوات التي تتسلل من باب الشرفة الذي أفتحه حين يهبط الليل، رائحة مسحوق الغسيل التي يهربّها لي الهواء من الملابس المعلقة، صوت المروحة الآتي من غرفتي، لا يبدو صوتاً مرفّـهاً، لكنه يجعلني ابتسم. أفكر حينها بالنعناع الذي ابتعته من سوق الخضار قبل العودة، أنه سيكون مثالياً لعمل شاي يناسب الجلوس في الشرفة والتأمل، أقول أني سأدرس قليلاً، لأستمتع باللحظات التي أتوق إليها منذ الظهيرة.

⁃ مقهى سنترال بيرك، اكتشاف اليوم العظيم، كنت في السابق أرى فكرة كهذه مستهلكة ولن تعجبني، رغم حبي الهائل لمسلسل فريندز، لكن الذهاب إليه، كان ممتعاً ومؤنساً، رؤية الأثاث والطاولات وأكواب القهوة ذاتها، جعلتني أكثر بهجة.

-على بعد خمسة كيلومترات، يجلس صديقي في شرفته المليئة بالياسمين الذي يشبه روحه، وقد صنع الشاي بالنعناع أيضاً، نتحدث، نفكر أن نزرع نعناع خاص بأيدينا، تبدو فكرة منعشة، القاعدة “نسقيه بماء نقي أكثر، وبشكل أقل”، يغمرنا الليل، تعبرنا النسمات ذاتها، وأقول لنفسي أن هذه هي الأيام التي تبدو وهي في أشدّ عاديتها، نعيمي الخاص.

عن الفتاة التي أعرفها.

Processed with VSCO with p5 preset
.some of my favorite books

حديث عابر فتح آفاقًا كبيرة في نفسي، رحتُ بعد ذلك أتأمل ما أنا فيه، وما استقرّت عليه ذاتي التي قاومت الكثير، وعبَرَت جنون هذا العالم بكل ماتحمله من وهن وقوة، نظرتُ لنفسي التي لطالما ألقيت فيها الرعب، وسرّبت لها إشارات التأنيب محملّة بالأذى، لطالما راقبتها بتأني شديد، كأني أترّصد لها. وجدتُ أني أكترث مافي دواخل هذه النفس، وماتشعر به إزاء العالم الخارجي، نسيت وسط هذا الإنشغال، أنني يجب أن أجلس بعيدًا عنها، وأنظر لها كما أفعل مع العابرين. كان ذلك صعبًا لعقلٍ يقظ على الدوام، لكن كان يجب أن يحدث ذلك، أستطيع القول أنه كان مربكًا في بادئ الأمر، إلا أني وجدتُ أن هذه النفس تهذبّت بما يكفي، وتناولت المخاطر وشعرت بإقترابها، حتى وإن لم تتصرف حيالها كما يجب. ألقيتُ نظرة عامة على كتبي، شيء ما اعتصر قلبي، ذلك الإنقباض الجميل الذي يسري لباقي الجسد كإعلان عن توقف الخوف، إنها صحبة قال عنها جوزيف كونراد “لا أعرف ما كان سيؤول إليه حالي لو لم أكن صبيًا قارئًا” وأنا أقول لا أعرف ماذا ستكون عليه أفكاري ونظرتي الخاصة، لو لم يكن إلتهام الكتب خيارًا أول، عند كل ضجر. هل كنت سأحب الخيام كما عرفته في حكايات أمين معلوف؟ ماذا عن مخلوقات بورخيس الوهمية وتزمّت كانط الذي لم يرى جبلاً ولا بحراً في حياته؟ كيف يتمسك المرء بأرض لم يرى غيرها، ثم يكتب عن تساؤلات عميقة لهذا الحد؟ هل كان سيشكل فارقًا عندي أن أنفر من مصطلح “المثالية” وأدرك عدم وجوده إلا في مدرستي، كما كنتُ أُكرّم به؟ هل كنت سأكتسب هذه القناعات، التي تشكلت من قصص يخرج منها الآخرين بمتعة قابلة للنسيان؟ هل كنت سأستمر في إيماني أن الذي عرفته ضئيل، ويجب أن أخجل منه بدل أن أتفاخر به؟ أحبّ الفكرة التي أنتهي فيها، إلى أن ما أنا عليه قد يرتبط بكوني فتاة القرية التقليدية، أحب أن أسميها كذلك، تلك المدينة التي ترعرعت فيها، إنها وحيدة وفارغة، كنتُ أظن أن العالم كلّه محصور بها… وحين أجلس وسط أشخاص كنت أرى حياتهم داخل شاشة التلفاز، كان هذا التغيير ليقلب الناس، ويجرّدهم من جلودهم الأصلية، لكنه لم يفعل ذلك بي، بل فعلتهُ الكتب وطفولتي التي اعتادت رؤية المساحات الخضراء، قد يضحك الناس حين أقول أن لـ “شمّة في البراري الخضراء” التأثير الأكبر على سير أحلام الطفولة، الأحلام التي كبُرت معي، رأيتُ في شمّا نفسي وهي كبيرة بما يكفي لتقطف أحلامها، انتقالها لمكان جديد ومغامراتها وحزنها الرقيق وعنادها وطريقتها في التذمّر، بينما في الجانب الآخر أخذَتّ نوّار إنبهاري في تحقيق حلمها لتصبح طبيبة. لدي فوبيا المدن الضخمة وتقلقني فكرة العيش بقية عمري في إحدى تلك المدن، لكن أشعر أن هناك إنفتاح غريب في قلبي، لكل ماقد يجعلني أتشرّب الجمال بشتى أشكاله وأماكنه، دون أن يمسّ روحي التشّوه الذي تتركه المدن الإسمنتية في قلب الفتى الريفي الممتلئ بفكرته الخاصة عن الجمال.

قراءة عقل شخص ميت.

lili on Twitter

الحد الأدنى من الوعي

تخيل نفسك تستيقظ محبوساً داخل صندوق، صندوق مناسب لك تماماً، يمتد حتى أقصى يديك وقدميك، إنه صندوق غريب، لأنه يمكنّك من سماع كل شيء يدور حولك بوضوح، ومع ذلك لا يمكنك سماع صوتك. في البداية يبدو الأمر كما لو أنه لعبة، ثم يبدأ الواقع بالتجلّي، ترى وتسمع عائلتك تندب مصيرك، تشعر بالبرد الشديد، ثم بالحر الشديد. أنت ضمآن دائماً، تتضاءل زيارات أصدقائك وعائلتك، يتقدم شريكك نحوك، ولا يمكنك فعل أي شيء حيال ذلك. بهذه الكلمات يصف دكتور الأعصاب (أدريان أوين) مريض في الحالة الخضرية، أو مريض في “الحالة الأدنى من الوعي”.

الناس في الحالة الخضرية، مستيقظين ولكن غير مدركين. يمكنهم أن يفتحوا أعينهم وتتجول بعض الأحيان، يمكنهم الابتسام، ومسك يد الآخر، يمكنهم البكاء والتأوه، لكنهم غير مبالين، بالتأكيد ليس خيارهم، هم فقط لا يستطيعون رؤية الكلام أو فهمه، حركاتهم ليس لها معنى، هي حركات انعكاسية فحسب. تنظر إليهم، يبدون لك كما لو أنهم تخلّوا عن ذكرياتهم، عواطفهم ونواياهم، تلك الصفات التي تجعل كل واحد منّا متفرد. تبقى عقولهم منغلقة بشدة، ومع ذلك، عندما تتحرك جفونهم، تتساءل، إذا ما كان هناك بصيص من الأمل. قبل عقد من الزمان، كان الجواب حاسماً ومؤكداً: لا. لكن ليس بعد الآن. باستخدام الماسحات الضوئية للدماغ، وجد الدكتور أوين أن البعض قد يكونوا محاصرين داخل أجسادهم، ولكنهم قادرون على التفكير والشعور بدرجات متفاوتة. تصبح المسألة أكثر ضبابية عندما نفكر في أولئك المحاصرين في عوالم الشفق، بين الحياة الطبيعية والموت، أولئك الذين ينزلقون إلى الوعي ثم يفقدونه، والذين يجدون أنفسهم في حالة “الحد الأدنى من الوعي”، إلى أولئك الذين يعانون من ضعف شديد في حالة خضرية أو غيبوبة.

في ستينيات القرن الماضي تم تبني مصطلح “الحالة الخضرية المستمرة”، للمرضى الذين سُجلت ملاحظات عنهم: “لديهم فترات يقظة حين تكون أعينهم مفتوحة وتتحرك، استجابتهم تقتصر على حركة الأطراف البدائية والإنعكاسية، ولا يتكلمون أبداً”.

دخلت “كيت” معلمة بالغة من العمر ٢٦ عاماً، في غيبوبة بعد ثلاثة أيام من إصابتها بمرض يشبه الإنفلونزا، أصبح دماغها ملتهباً، بجانب المنطقة البدائية فوق النخاع الشوكي، جذع الدماغ، الذي يحكم دورة النوم. بعد أسابيع قليلة شُفيت من العدوى، استيقظت من الغيبوبة، لكن تم تشخيصها على أنها في حالة خضرية. لحسن الحظ، كان طبيب العناية المركزة المسؤول عن حالتها، محققاً رئيسياً في مركز تصوير الدماغ في كامبريدج، حيث يعمل الدكتور أدريان أوين.

لم تتعرف كيت على الوجوه فحسب، بل كانت استجابة دماغها تشبه لحد عدم التمييز بينها وبين استجابات المتطوعين الأصحاء، كشفت عمليات المسح التي تم إجراءها على دماغها، عن بقعة حمراء، تشير إلى نشاط الدماغ في الجزء الخلفي المسؤول عن التعرف على الوجوه. أصبحت كيت أول مريض يكشف فيه التصوير المتطور للدماغ “إدراكها الخفي”. أما عن: ماذا لو كانت هذه الاستجابة مجرد “رد فعل” أو استجابة نابعة من وعي؟ كانت بالطبع في ذلك الوقت مسألة نقاش. تقول كيت: “الفحص أظهر للناس أنني كنت هناك، لقد كان مثل السحر، وجدني”.

تفاجئ “ستيفن لوريس” الذي يدرس لعقود المرضى الخضريين في بحث يعود لعقود، أن المرضى يمكن أن يستجيبوا لذكر أسمائهم: الأصوات التي تشكّل لهم معنى أنتجت تغييراً في تدفق الدم داخل القشرة السمعية الأولية. وفي الجانب الآخر وجد “نيكولاس شيف” أن الأدمغة المتضررة بشكل كبير، يوجد بها مناطق تعمل جزئياً، مجموعة لبقايا من نشاط عصبي. ماذا يعني كل هذا؟ في ذلك الوقت أعتقد الأطباء أنهم يعرفون الإجابات بالفعل: لا يعتبر المريض في الحالة الخضرية المستمرة واعياً. بغض النظر عن أن التحديق في الصور يجعل الدماغ يضيء، فهم يندمجون في ذلك، يمكنك فعل ذلك في قرد مخدّر. استناداً إلى خبرة سابقة، من غير المرجح أن يتعافى الدماغ الذي يعاني من نقص الأكسجين نتيجة نوبة قلبية أو سكتة دماغية، إذا لم يحدث ذلك في الأشهر القليلة الأولى. لقد عانى هؤلاء من مصير اعتبره كثير من الناس أسوأ من الموت نفسه، فقد كانوا بلا عقل وظيفياً، موتى/ أحياء. أعتقد الأطباء ــ بحسن نيةــ أنه من المقبول تماماً إنهاء حياة مريض خضري، عن طريق الجوع وسحب الماء. كان هذا هو عصر ما يسميه لوريس بـ”العدمية العلاجية”.

في عام ٢٠٠٥ كانت الفتاة البالغة من العمر ٢٣ عاماً “جيليان”، تعبر الطريق وتتحدث على هاتفها المحمول، صدمتها سياراتان. بعد خمسة أشهر كانت البداية من دراسة منهجية، بدأها أوين مع لوريس في العام ذاته، طلبوا من متطوعين أصحاء تخيل القيام بأشياء مختلفة، من غناء الأغاني إلى استحضار وجه والدتهم. ثم خطرت لأوين فكرة أخرى، طلب منهم تخيل لعب التنس، ثم طلب منهم تخيل المشي في غرف منازلهم. حيث يؤدي تخيل التنس إلى تنشيط جزء من القشرة، يسمى بالمنطقة الحركية التكميلية، لكن المشي حول المنزل، ينشط أجزاء مختلفة تماماً، منها القشرة الحركية الجانبية. كان نمط النشاطين مختلفين مثل أبيض/أسود، مثل نعم/ لا. لذا إذا طُلب من المرضى تخيل لعبة تنس فهي “نعم”، والتجول في المنزل تعني “لا”، إنها بمثابة شفرة خاصة بين الطبيب والمريض حتى يمكنه الإجابة على الأسئلة عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. نظر أوين إلى دماغ جيليان الخضري باستخدام الماسح الضوئي، وطلب منها تخيل نفس الأشياء للإجابة عن أسئلته، مثلاً: اسمك جيليان؟ فتتخيل هي لعب التنس لتقول له “نعم” فيرى هو ذلك النشاط على الماسح الضوئي. رأى أوين أنماط تنشيط مشابهة بشكل لافت للنظر لتلك الموجودة عند المتطوعين الأصحاء، كانت لحظة يقشعر لها البدن، كان بإمكان أوين قراءة رأيها.

قضية جيليان، التي نُشرت في مجلة Science في عام ٢٠٠٦، احتلت عناوين الصفحات الأولى في جميع أنحاء العالم. وأثارت النتيجة الدهشة والاستنكار بالطبع. يقول أوين: “بشكل عام، تلقيت نوعين من رسائل البريد الإلكتروني من زملائي”، “إما قالوا” هذا رائع – أحسنت! “أو” كيف يمكنك الجزم بأن هذه المرأة واعية؟”

سألنا مريض في الحالة الخضرية، سلسلة من الأسئلة بنعم أو لا، لقد كان التمرين المعتاد: تخيل لعب التنس مقابل نعم، والتنقل في المنزل مقابل لا. تمكن المريض الذي كان في حالة خضرية لمدة خمس سنوات، من الإجابة على خمسة من ستة أسئلة حول حياته السابقة – وكلها كانت صحيحة. هل كان في إجازة إلى مكان معين قبل إصابته؟ هل كان كذا وكذا اسم والده؟ قال لوريس إنها كانت لحظة مثيرة. ويضيف أوين: “لقد ذهلنا”، “من خلال التبيّن أنه كان واعياً ومدركاً، انتقل هذا المريض من فئة “عدم الإنعاش” إلى فئة “لا يُسمح له بالموت”. هل أنقذنا حياته؟ لا، هو من فعل ذلك”.

من الطبيعي اليوم يصبح التفكير في الموت على أنه سؤال حول: “كيف يكون الدماغ” وليس “كيف يكون القلب”. المريض في حالة خضرية مستمرة لا يزال لديه جذع دماغ سليم، ويمكنه التنفس دون مساعدة. قد يكون لديهم درجة من الوعي ولديهم فرصة ضئيلة للتعافي. لكن يكشف فحص التصوير المقطعي لشخص ميت دماغياً عن “فراغ أسود داخل الجمجمة”، وهو منظر عصبي قاحل، مع عدم وجود فرصة للعودة إلى النشاط مرة أخرى، حيث لا يمكن لأجسادهم البقاء على قيد الحياة دون مساعدة اصطناعية.

يؤكد نيكولاس: “لم نصل إلى هناك بعد تماماً”. لقد أظهر الجهد المكثّف حتى الآن قيمة فحوصات الدماغ على مجموعات من المرضى، لكنهم في النهاية يحتاجون إلى طرق يمكن الاعتماد عليها، تعمل على أساس كل مريض على حدة. يعتقد لوريس أننا قد نحتاج إلى البدء باللغة المستخدمة لوصف هؤلاء المرضى – فهو يريد استبدال المصطلح المحدد “خضري” بـ “اليقظة دون استجابة” المحايد.


ترجمتي لـ “مقتطفات”
من المقالة العلمية: Mosaic

الانتظار، زائراً.

Image in 𝒯ℯ𝒶,𝓉ℯ𝒶𝒸𝓊𝓅𝓈,𝒸𝓊𝓅𝒸𝒶𝓀ℯ𝓈 🍵🍰 collection by 𝒜𝓇𝓉𝒾𝓈𝓉𝒾𝒸 𝒮ℴ𝓊𝓁

استيقظتُ من حلم غريب دونته في اللحظة الأولى من الاستيقاظ، أعاود قراءته في منتصف اليوم، ثم أضحك من غرابة الجملة: “صوت أجهل مصدره يسألني: لو ستسقطين مرة أخرى، أين ستكون؟ أجيب: في الجنة.. أقصد مكتبة بورخيس”.

أستعيد صباحاتي، وطريقة جديدة في صنع النسكافيه، بكوب جديد ذو نقوش زرقاء، أقول أن هذا اللون الوحيد الذي يشعرني بقيمة أي مشروب داخله، صحيح، الأزرق دائماً، لطالما شعرت أني فراشة زرقاء، تشعر صديقتي بذلك أيضاً، وأضحك لطريقتها في إثبات الأشياء: تبعث لي صورة من متحف في نيويورك يعرض الفراشات الميتة، معلقةً: مكان ملائم للموت.

صنعت كيكة شوكلاتة، احتفيت بها برقصات عديدة حين نجحت، كانت وصفة مثالية، لي فقط، لأنها لم تلقى رواجاً كافياً في عائلتي، لكن تم إلتهامها في نهاية الأمر، لأن هذا ما كان عليهم فعله.

اكتشفت طريقة في مواجهة أفكاري التي لا تنتهي، قررت إنهاكها بما يعود لي بفائدة، أقرأ مقالات علمية معقدة، ولا أكتفي بذلك، بل أقوم بترجمتها، ووجدت أنه الحل الأمثل، تركيزي يتبدد حولها، وفي أحيان كثيرة، تتملكني الدهشة، إنه الدماغ الذي لا يكف عن بثّ روح التحدي في داخلي، لأفهمه وأغرق به أكثر.

انتظرُ العودة، لكن لازال الطيران الجوي مغلق، وأجهل حقيقةً ماذا سيحدث، أتوق للدراسة، المستشفى، المقهى الذي يحفظ طلباتي، المقهى الذي أذهب إليه من أجل التأمل فقط، حتى المقهى الموجود بجانب الجامعة وأضطر إليه لأنه الأقرب، أفتقده. لا أريد أن أضيع جزء مني في الانتظار، فأتنقل في اليوم كثيراً، أحوم في البيت، وأُنهك، ثم أحاول النهوض مجدداً، وتهدئة من يشعر بحاجة لمواساة، ومشاركة حماسة من يلمع في عينيه أمل ما، والانتباه مع من يعرض علي حيرته في الاختيار، “هذا يليق بك أكثر، يعبر عن شخصيتك”.

يصعد أبي إلى غرفتي، نتحدث قليلاً في أمور عادية، ثم يختم حديثه بجملة مُفاجئة: أنا هنا، أدعمكِ دائماً. أشعر بطاقة عجيبة من الحب المتدفق في قلبي، هذه الخفة التي تجعل المرء يتذكر، فيُرخي كتفيه بثقة تامة أن هناك من سيتلقفه عند أول إنحناءة.

 

صندوق رقم 5

Invalidite [Completed]

نتحدث أنا وصديق عن حفل الأوبرا الذي حضره، يرسل لي بعض المقاطع التي سجلها، فأسبح مع العزف الجميل، وأتمنى لو كنت هناك، نتخيل لو صدح صوت في أرجاء الأوبرا: “I’m here, the phantom of the opera!” سيكون ذلك ممتعاً حتماً، سنفرّغ له الصندوق رقم ٥ بكل حب، ونتعاطف معه بحزن كريستين ورقة شعورها. يجب أن أقول أن مسرحية شبح الأوبرا من أجمل مشاهداتي في هذا العام الغريب. ممتنة للأصدقاء الذين يملكون هذه الذائقة، ليجعلوني دوماً على رأس القائمة في كل جميل يشاهدونه.

*
تخبرني صديقة بأن الكلام معي يجعلها مرتاحة، وتشعر أن “كل شيء يصبح عادي بعدها” لتضيف صديقة أخرى أن ذلك شعورها أيضاً، تستوقفني هذه الجملة العذبة، لطالما أردت أن يخبرني أحدهم أن كل شيء سيكون على ما يرام، بطريقة غير مباشرة من خلال حديثه، وأن أغدو من عنده وأنا أحمل في قلبي هذا الأُنس، تاركة أفكاري الهشّة تموج في ليلها القاتم، وأملك أنا أسبابي، والنور الذي يجوب بي كل المناطق المظلمة التي أهملت زيارتها في الماضي، لأنها موحشة وبعيدة.

*
أشتاق للمقاهي، وجلوسي المتكرر بها، واستكشافي الذي لا يتوقف، أجمع هذا الصباح وألم شتات نهاره، ضوءًا، ضوءًا، اختار قائمة أغاني معنونة بـ: Cozy Coffeehouse، إنها الأغاني المناسبة، صباحية وتمدّ لي عذوبتها، كنجاة حاسمة من أي عبث يترصد لهذا الصباح.